أبي منصور الماتريدي

332

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ : إن الذي حملهم على الطلب بأن يؤتى كل منهم صحفا منشرة إعراضهم عن الإيمان بالآخرة ؛ وإلا لو آمنوا بها ، لكان إيمانهم بها يحملهم على ترك العناد والتعنت ، وعلى ترك الجسر على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ويدعوهم إلى الإذعان للحق . وقوله : كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ سنذكر معنى هذه الآية في سورة « عبس وتولى » ، وسنذكر معنى قوله : وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ في سورة « إذا الشمس كورت » . وقوله : هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ : فأهل التأويل صرفوا قوله هُوَ أَهْلُ التَّقْوى إلى الله تعالى . وجائز أن يصرف إلى البشر . فإن كان المراد من قوله - عزّ وجل - هُوَ أَهْلُ التَّقْوى : البشر ؛ فيكون معنى قوله : هُوَ أَهْلُ التَّقْوى ، أي : الذي يقوم بالذكر ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [ الفتح : 26 ] ، فجعل الذين ألزمهم كلمة التقوى من أهل التقوى ، وإن كان المراد من قوله : هُوَ أَهْلُ التَّقْوى ، أي : الله - سبحانه وتعالى - فتأويله أنه أهل أن يتقي الزلة والعثرة في حقوقه تعالى . والوجه فيه أن المرء في الشاهد إنما يتقي الزلة والعثرة إلى آخر ؛ لإحدى خصال ثلاث : إحداها : لما يرى من افتقاره وحاجته إليه ؛ فيتقي العثرة إليه ؛ تبجيلا وتعظيما . أو يتقي زلته ؛ ذلك لما يرى من قدرته وسلطانه على الانتقام منه . أو يتقي زلته ؛ لكثرة نعمه وأياديه ؛ استحياء منه . وإذا كانت هذه الأشياء هي الداعية إلى الاتقاء ، فإن الخلائق بأجمعهم مفتقرون ومحتاجون إلى الله تعالى ، وله القدرة والسلطان عليهم ، وهو المنعم المتفضل على كل أحد ، فهو أهل أن يعظم ويوقر ، وأن يخاف نقمته ، ويستحيا منه ، ومن اتقى صار أهلا لأن يغفر [ له ] . وجائز أن يكون معنى قوله - عزّ وجل - : هُوَ أَهْلُ التَّقْوى ، أي : هو أهل لأن « 1 » يسأل منه ما يتقي [ به ] من النار بقوله تعالى : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] ، وبقوله : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] ، ثم علمنا وجه الاتقاء

--> ( 1 ) في ب : بأن .